عندما تنادي إيرلندا

قال لي تشارلي ماكغونيغال خلال إحدى الجلسات في بلدة «دونينغال»: «أعتقد أنّ دونالد كان أحد أجدادك». جاوبت قائلاً: «كلا، كلا، فعائلتي غادرت إيرلندا قرابة العام 1870 على ما أظنّ». ردّ تشارلي بكل ثقة: «قد يكون هذا صحيحاً فدونالد قد غادر البلدة قرابة تلك الفترة».


إيرلندا

«جسر السلام في «لندنديري

أهلاً بكم في إيرلندا حيث يُعاد سرد 150 سنة من تاريخ العائلات وكأنّها ذكريات من إجازة الصيف المنصرم. بالنسبة إلى العديد من الأستراليين، تُعدّ الروابط بإيرلندا قويّة. زوروا البلاد وستُستقبلون كأنّكم في دياركم. بالفعل، فقد قال لي رجل إيرلندي متقدّم في السنّ إنّ جاكي كينيدي قد لجأت إلى إيرلندا بعد اغتيال زوجها جون كينيدي. وعندما باتت مستعدّة للخروج، كانت تتوجّه إلى بار محلّي صغير أيّام الآحاد مساءً. وقد اكتشفت أنّ السكّان المحلّيين ظنّوا حينها أنّه قد حان الوقت لكي تخلع الحداد عندما أعلن «سيّد الاحتفالات» قائلاً: «أودّ أن أدعو أرملة كينيدي إلى تأدية أغنية» وقد امتثلت لطلبه.
إنّ شتات الإيرلنديين حول العالم خلال مجاعة البطاطا الكبرى في القرن التاسع عشر يضمن تدفّقاً دائماً للأستراليين والأميركيين والكنديين، من بين الكثيرين غيرهم، نحو إلى إيرلندا كل صيف. يتّجه معظمهم إلى دبلن و«حلقة كيري» التي هي عبارة عن مسار مواقع شهيرة في الجنوب. وإن أردتم لقاء أناس إيرلنديين بدل السيّاح، من الأفضل التوجّه شمالاً حيث تجدون سلسلة من المواقع والكثير من التاريخ. وكانت بلدة «دونينغال» التي تقع في أعلى إيرلندا إحدى أكثر الأماكن تأثّراً بالمجاعة الكبرى، كما يعكس متحفها.
تكافئ إيرلندا السفر البطيء. فلا يُخفى على أحد أنّ أهل إيرلندا هم جواهر البلاد الفعليّة ومن الأرجح أن يتمّ تذكّر الأحاديث العفوية لوقت أطول أكثر من أي عدد من القصور والمعالم الأثرية. إنّ الاستعجال من موقع لآخر لا يتيح لكم الوقت للتفاعل. لذا، أنصحكم بأن تجدوا مدينة، أو حتّى بلدة أو قرية، وأن تمكثوا فيها لبضعة أيّام. قوموا بجولة عليها خلال النهار لكن اختاروا باراً للتسكّع فيه ليلاً والتزموا به. وبحلول الليلة الثانية أو الثالثة ستُستقبلون كزبائن دائمين وسرعان ما ستصبح وثاقة المجتمع الإيرلندي والحياة الإيرلندية التقليدية جليّةً.

إيرلندا

يشتهر شمال البلاد بمناظره الخضراء الخلّابة وقصوره الجميلة

إنّ إيرلندا ككلّ هي فسيفساء جميلة بتموّجات الأخضر. بدءاً من «ممرّ العمالقة وساحله» وصولاً إلى براري مقاطعة «دونينغال» ومدينتَي لندنديري/ ديري وبلفاست بتاريخهما المُلوّع ولهجاتهما غير الواضحة، يُعتبر الشمال منطقة لديها الكثير لتقدمته.
بالطبع، ينقسم الجزء الأعلى من جزيرة إيرلندا إلى بلدَين: الجمهورية وإيرلندا الشمالية التابعة للمملكة المتحدة. وقبل بضعة عقود فقط كانت الحدود محصّنة بشكل كبير. أمّا اليوم فهي جِد مبهمة لدرجة أنّكم ستلاحظون أنّكم عبرتموها فقط عندما تلاحظون حجرات الهواتف وصناديق البريد قد تحوّلت من الأخضر إلى الأحمر، وستحتاجون إلى الجنيه الاسترليني وليس اليورو في المحلّات التجارية.
وتتمثّل الطريقة الأفضل لأخذ فكرة عن «الصراع» بالقيام بجولة مشياً على الأقدام تمتدّ على ساعة مع Derry City Tours. لا شكّ أنّ الجولة لا تتغاضى عن أحداث مريعة طبعت عقود- لا بل قرون- من التقاتل الديني. وعلى طول الطريق، سترون عند النظر إلى حيّ «بوغسايد» من أعلى تحصينات المدينة الكبيرة الجداريات السياسية في الأسفل. بالفعل، إذ يمكنكم إعادة رسم كل تاريخ «الصراع» من خلال جداريّات المدينة أو من خلال اسم المدينة: فبالنسبة إلى المملكة المتحدة، إنّه لندنديري، أمّا بالنسبة إلى الأيرلندين فهو ديري بكل بساطة.
في العام 2011، تمّ استكمال جسر جديد يعبر نهر «فويلي» في المدينة وأُطلق عليه اسم «جسر السلام» كرمز للجوّ الجديد في المدينة، إذ أنّه يصل جهّة المدينة القومية بالرصيف الاتّحادي. بشكل إجمالي، تُعدّ ديري إحدى أكثر المدن المحصّنة روعةً في أوروبا- والوحيدة غير الممسوسة في إيرلندا. ويمكنكم أن تمشوا معظم مسافة الـ1.5 كيلومترات المحيطة بالمدينة على طول سطح الحصن العائد لـ400 عام والذي يبلغ عرضه 10 أمتار في بعض الأجزاء. لا عجب أنّه لم يتمّ اختراقه أبداً، فهناك سبع بوّابات لكن 24 مدفعاً لا يزال في مكانه اليوم.

إيرلندا

موقع Giants Causeway بحجارته التي تصل إلى مياه المحيط

إلّا أنّ روح المدينة هو ما يذهلني. ففي العام 2013، كانت أوّل عاصمة ثقافة في المملكة المتحدة. لذا، تنزّهوا في أرجاء المدينة ليلاً حتّى تسمعوا الموسيقى، وعندما تدخلون ستجدون أجواءً فرحة. ويتمتّع Peadar O’Donnell’s في شارع «59 واترلو» بسمعة أفضل بار موسيقى في المدينة. وفي بلفاست أيضاً، هناك Titanic Belfast الكبير لكن الذي لم يعد بجديد كثيراً والذي افتُتح عام 2012 ويُعدّ عرضاً رمزياً للسفينة الشهيرة التي بُنيت في ترسانات السفن هذه. وتُعتبر الصالات التسع التفاعلية مهيبة وسترون وتتعلّمون الكثير بزيارتها. وهناك حساسيّة جديرة بالثناء، إذ ليس هناك قطع من حُطام السفينة، لكن هناك الكثير من بقايا موقع البناء وشركة White Star Line. وإن كان لديكم اهتمام بالتايتنيك، يُعتبر هذا سبباً كافياً لحجز تذكرة إلى إيرلندا. إذا لحقتم بالخط الساحلي بين مدينتَي إيرلندا الشمالية الرئيسيتَين، ستستكشفون قُرى «غلين» في مقاطعة أنترم إلى جانب العديد من المواقع التي صُوّر فيها مسلسل Game of Thrones. فكهف «كاشندون» هو المكان الذي وُلد فيه «الطفل الظلّ»، أمّا موقع Dark Hedges الذي هو عبارة عن صفّ من أشجار الزان المتشابكة فقد شكّل طريق الملك في المسلسل نفسه.
في حين ستستمتعون بمناظر خلّابة في كل مكان، إلّا أنّ هناك موقع طبيعي مهيمن في هذا الجزء من إيرلندا وهو «ممرّ العمالقة وساحله». إذ يتألّف هذا الموقع المدرج على لائحة التراث العالمي لليونيسكو من أكثر من 40 ألف عمود بازلتي سداسي ومثالي الشكل تصبّ في البحر في مقاطعة «أنترم». وتقول الأسطورة إنّه قد شُيّد على يد المحارب العملاق فين ماكول كدرب مختصر نحو اسكتلندا، إلّا أنّ علماء الجيولوجيا يؤكّدون إنّه عبارة عن بقايا متشابهة من حمم بركانية مضغوطة عائدة لـ80 مليون سنة ومشكّلة 40 ألف عمود سداسي الشكل.
للوصول إلى «ممرّ العمالقة وساحله»، عليكم الانعطاف على طريق A2 عند بلدة «بوشميلز». أمّا الطريق الجميلة من «ديري» إلى «دونينغال» فهي تُعرف باسم «درب الأطلسي البرّية» وتُعتبر هذه التسمية اسماً على مسمّى. وإذا أردتم اختبار أجواء فاخرة، فخطّطوا للإقامة في Rathmullan House الذي هو عبارة عن منزل جيورجي الطابع بُني على خلل «لوش سويلي»، شمالي بلدة «ليتيركيني» في مقاطعة «دونينغال».
وفي بلدة «كرولي» الصغيرة، نشأت المغنيّة الإيرلندية العالمية إنيا. وقد يكون عشقها للموسيقى قد أبصر النور في بار Leo’s Tavern حيث تُعرض أسطواناتها على الجدران.

إيرلندا

بلدة «دونينغال» الجميلة

أمّا بلدة «كيليبيغز» التي تقع غرب بلدة «دونيغال» فهي مرفأ الصيد الرئيسي في إيرلندا ويُعتبر الصيد قطاعاً ظهر كثيراً في المسرحيات الإيرلندية. ويُفسّر مركز «الحياة البحرية والتراث» هذه العلاقة الوثيقة. في حين أنّ منحدرات جبل «سليف ليغ» غرباً هي الأعلى في أوروبا، إذ يصل ارتفاعها إلى 600 متر فوق شمال المحيط الأطلسي. يُعتبر هذا المكان مثالياً للتنزّه والاستمتاع بأجمل المناظر الطبيعية.
إنّ إحدى أكثر البلدات جاذبيّة في شمال الجمهورية هي بلدة «دونينغال» على نهر «إسكي» في مقاطعة «دونينغال». إنّ الصناعة الأبرز فيها هي صناعة نسيج التويد الذي يُعرض ويُباع في كل مكان هنا. عانت البلدة الكثير في خمسينيّات القرن التاسع عشر لدرجة أنّه تمّ تأسيس صندوق إغاثة في نيوساوث ويلز وهاجر الكثيرون من سكّانها إلى أستراليا. وسواء كان الزائر يبحث عن أسلافه هنا أو يقوم بجولة على معالمها السياحية، تكشف نزهة قصيرة من القصر إلى المعلم الديني الكثير عن جمال هذه البلدة.
تقع البلدة عند خليج «دونينغال» وإذا قمتم بجولة في المركب على الخليج ستسيرون على خطى الفايكنكز. إذ تستقي «دونينغال» اسمها من العبارة الإيرلندية «دون نين غال» التي تعني «قلعة الغرباء» من زمن الفايكنكز الذين أنشأوا معقلاً لهم هنا.
أتى الكثيرون ورحلوا من إيرلندا على مرّ العصور. وربّما لهذا السبب يتمتّع الإيرلنديون بروح منفتحة حيال الزوّار. فهنا في الشمال البرّي، يبدو هذا جليّاً أمام جهوزية الكلّ للتوقّف والدردشة معكم. لا شكّ أنّكم ستحظون باستقبال حارّ في بلد أكثر من رائع.•

النص: ديفيد ماكغونيغال- الصور: Tourism Ireland


معلومات عن الرحلة

طريقة السفر
يسيّر كلّ من الاتحاد للطيران وطيران الإمارات رحلات دورية من أبوظبي ودبي إلى مدينة دبلن.

الوقت المثالي للسفر
تُعدّ أشهر الصيف الأمثل لزيارة شمال إيرلندا. قد تهطل بعض الأمطار لكن هناك احتمال كبير بأن تنعموا بأيّام صيف طويلة وجميلة أيضاً.

عناوين الإقامة
Rathmullan House

للمزيد من المعلومات
Tourism Ireland

المواضيع المذكورة

 
Top
هذا البريد الإلكتروني إلى صديق