أطايب ومناظر في بودابست

يقول البعض إنّ سحر بودابست يكمن في هندستها المعمارية المهيبة، فيما يعشق آخرون الدانوب المتعرّج، ثاني أطول نهر في أوروبا، والذي أُلّفت حوله مقطوعات الفالس والأشعار. أمّا آخرون فقصدوها، كالرومان، لحمّاماتها الشافية. أمّا أنا؟ فقصدتها للأكل

budapets-gellert-thermal-spa-shutterstock_242795398

غطسة منعشة حمّامات Gellert الحرارية الهنغارية التقليدية.

من جهة «بست»

تضطلع المطاعم والمقاهي والأسواق بدور مهمّ في حياتي وأثناء سفري، وهي تشكّل وجهة بحدّ ذاتها. بالطبع، لقد قرأت وتوقّعت تناول طبق الغولاش والمعجّنات. أمّا السلامي البقري فقد كان مفاجئاً، أقلّه النوع والأحجام واللمسات المختلفة عليه. بالنسبة لأي عاشق للمأكولات، يُعدّ السوق المركزي الذي دُمّر بالكامل تقريباً خلال الحرب العالمية الثانية لكن تمّت إعادة ترميمه مذّاك الحين ليستعيد مجد أواخر القرن التاسع عشر محطّة لا بدّ من زيارتها.

أمّا الباعة في السوق فهم الصورة النمطية للهنغاريين بوجوههم المورّدة، واضعين مراويلهم، وبأصواتهم العالية، وضيافتهم الملحّة ليعرّفوا كل من ليس محلّياً على منتجاتهم. لقد تذوّقت أنواعاً مختلفة من السلامي وتعرّفت على البابريكا الحلو والمدخّن، إذ أنّ الحلوّ هو من هنغاريا بالإجمال ويُستخدم في تحضير أطباق مثل الغولاش، في حين أنّ المدخّن هو مستورد ويضفي لمسة مميّزة على أي طبق. ومن البضائع الأخرى المعروضة أطنان من أنواع الفطر البرّي الطازج، وبذور الخشخاش، والمشروبات المحلّية، ورقائق الذرة بنكهة السلامي.
ولتذوّق المزيد من المأكولات، هناك مقهى في الطابق العلوي من السوق يقدّم أطباقاً محلّية (ليس أطباق المطبخ الراقي بل يخنات وأطايب ريفية بحصص سخيّة). أمّا المنظر من هنا والمشرف على أنحاء السوق الشاسع، فهو يُعدّ روعة من الروعات بالنسبة إلى المصوّرين أيضاً.

والناحية الجيّدة من كون هنغاريا غنيّة بالأطايب المطبخية المليئة بالسعرات الحرارية هو أنّ بودابست هي مكان مثالي للمشي. فمنطقة السوق مثلاً تقع بالقرب من «جسر الحرّية» الحديدي الأخضر المبرشم بالكامل والذي تغطّي أطرافه العصافير من كل الأشكال والألوان. لقد شُيّد هذا الجسر في الأصل لمعرض الألفية العالمي في العام 1896 وقد أُطلق عليه اسم الأمبراطور برانز جوزيف الذي قام بإحكام شدّ آخر برشام حديد بنفسه. ويصل هذا الجسر بين السوق من جهة «بست» المسطّحة وحمّامات Gellert على جهة «بودا» كثيرة الهضاب، لكنّني لم أكن مستعدّة بعد للعبور إلى الجهة الأخرى.

بودابست

عرض لإرث المدينة في الهواء الطلق؛

خلافاً للعديد من العواصم الأوروبية الأخرى القديمة، ليس هناك مدينة قديمة مسوّرة في بودابست حيث يسهل التحرّك فيها وتحوي كل كنوز المدينة القديمة. إلّا أنّ بودابست تنبسط على مساحات واسعة، وكونها تتألّف من مدينتَين مختلفتَين تماماً يفصل بينهما نهر الدانوب العريض لكن تتصلان عبر مروحة من الجسور، لذا تستلزم رؤيتهما الكثير من المشي. إنّ إحدى أجمل النزهات هي تلك التي تمتدّ على طول النهر. أمّا تغيّر الألوان بحسب الطقس فهو منظر مذهل بحدّ ذاته. وعلى طول الرصيف الممتدّ من السوق، عند آخر الطريق المؤدّية إلى مبنى البرلمان، صعدت على متن مركب لأقوم برحلة سريعة حول جزيرة مارغرت. إذ تتوسّط هذه الجزيرة مناظر المدينة المسطّحة والمليئة بالمباني الكبرى من جهة، والهضاب بقصرها الانتقائي من الجهة الأخرى، وإلى جانب المراكب الكبيرة، تحتلّ الجزيرة مساحة كبرى من النهر. وعلى غرار كل المدن الكبرى، تضمّ بودابست حديقة شعبية عامّة يقصدها الجميع للمشي وتناول الطعام في أنحاء الطبيعة وممارسة التمارين الرياضية والاسترخاء طوال اليوم مع العائلة. أمّا في بودابست فشاء القدر أن تقع هذه الحديقة على جزيرة.

وبالعودة إلى اليابسة بعد ارتشاف فنجان قهوة سريع وتأمّل المناظر الخلّابة، استكملت نزهتي على طول واجهة النهر المزدانة بمجموعة من التماثيل الغريبة: فتاة برفقة كلب وأميرة صغيرة جالسة على السياج. وللأسف أنّه بالرغم من جمال المناظر، تمتدّ واجهة الدانوب بموازاة Vaci Utca، أحد أفضل شوارع التسوّق في بودابست، وعليّ أن أعترف أنّني انحرفت قليلاً عن مسار نزهتي لـ«أستكشف» المحلّات التجارية الموجودة في المدينة. كما يقود هذا الشارع إلى ساحة Vörösmaty التي تزخر بالمقاهي والناس والكثير من محلّات البوظة. من كان ليظنّ أن بودابست مشهورة بالبوظة؟ إلّا أنّها كذلك، وكان لا بدّ من تذوّق بوظتها. إذ تعرفون المثل القائل «عندما تكونون في بودابست…».

بعد عبور الفنادق الكبرى وبعد مبنى البرلمان بالتحديد الذي خلته قصراً من قصور بودابست لفخامته الاستثنائية، تقع المنحوتة الأكثر تأثيراً على الإطلاق: عشرات الأحذية البرونزية التي تواجه الدانوب. إذ تخلّد هذه المنحوتة لأشخاص قُتلوا خلال الحرب العالمية الثانية.


من جهة «بودا»

بودابست

خُطى تاريخية القطار التاريخي المؤدّي إلى هضبة القصر

عبرت جسر السلاسل الذي، إلى جانب كافة الجسور، قد دُمّر بالكامل خلال الحرب العالمية الثانية، لكنّه خضع مذّاك الحين لعمليات ترميم أعادت إليه سحره الماضي، ووصلت إلى جهة «بودا» من بودابست. وفي بحثي عن القصر، كان عليّ صعود الهضاب مشياً على الأقدام للتعويض عن فائض السعرات الحرارية التي تناولتها قبل يوم، إلّا أنّني وكوني محبّة للقطارات المعلّقة، لجأت إلى الخيار الأسهل للوصول إلى الأعلى: قطار Budavari Siklo الذي دمّرته الحرب في ما مضى لكن أُعيد ترميمه بشكل جميل. وقد شكّل في الماضي وسيلة نقل سهلة للعمّال، أمّا اليوم فهو فخّ، لكن جميل، للسيّاح.
لدى وصولي إلى أعلى الهضبة، كان إيجاد قصر «بودا» أسهل من المُتوقّع. وليس قصر «بودا» بقصر، إلّا أنّه حيّ مليء بالأبنية الملكية وهو عبارة عن خليط من الأساليب الهندسية. وتقودكم الممرّات المرصوفة بالحصى والقناطر لإيجاد كل أنواع المباني الغريبة والرائعة. وكان المفضّل لديّ «حصن الصيّاد» الذي بأبراجه السبعة يشبه إلى حدّ كبير قصراً من قصور قصص الخيال على هضبة. من السهل إمضاء ساعات في أرجاء «قصر بودا» بوجود العديد من المعالم والمناظر والمطاعم، لكن كان عليّ التوجّه أوّلاً إلى تحت الأرض، ثمّ السباحة.

من العجيب أنّ قصر «بودا» لا يزال صامداً. فالهضبة تحته مليئة بالكهوف والأنفاق، بعضها مفتوح للعموم، فيما كانت أخرى مفتوحة وأُغلقت ليتمّ فتح بدائل لها. ولقد وقعت على «المتاهة» والتي هي عبارة عن خليط غريب من الكهوف الحقيقية والأنفاق من صنع الإنسان وقصص خيالية والأعمال المجنونة ومواقع. إنّها غريبة بالفعل، على شاكلة بودابست.
عليّ الاعتراف بأنّني كنت مشتّتة التركيز قليلاً فيما كنت أواجه تحديَّ الأخير المتجسّد بحمّامات Gellert مقابل السوق المركزي المغري. كنت مستعدّة للسباحة في المياه الصحّية الشهيرة، لكن لم أكن أعلم أنّ هذا التحدّي سيتحوّل إلى تجربة شبيهة بقصص كافكا. إذ أنّني لا أشعر بالراحة كثيراً في ملابس السباحة، وكنت أعتمر قبّعة مطّاطية ولم أكن أضع نظّارتي، لذا تهت وأنا أبحث إلى ما لا نهاية عن حوض السباحة. وأخيراً، وجدت حوض السباحة الداخلي الجليدي وغطست فيه لبرهة، إذ انقطعت أنفاسي وأصبحت زرقاء اللون من شدّة البرد، لكنّني وجدت أخيراً حوضاً ساخناً جميلاً في الخارج. وكانت تُقدّم بالقرب منه القهوة والوجبات الخفيفة وحتّى قوالب الحلوى والبوظة. وباتكالي على مزايا المياه الصحّية، لم أكترث البتّة للسعرات الحرارية التي سأكتسبها واستمتعت بأفضل ما تصنعه بودابست: الطعام الممتاز وسط محيط تاريخي مذهل. •


معلومات عن الرحلة

طريقة السفر 

يسيّر كلّ من الاتحاد للطيران وطيران الإمارات رحلات دورية من أبوظبي ودبي إلى بودابست.

عناوين الإقامة
– فندق Adina Apartment في قلب المدينة بالقرب من جزيرة مارغريت.
– فندق Four Seasons Gresham Palace Hotel الذي يشرف على جسر السلاسل وقصر «بودا».
– فندق Corinthia بكل سحره وهيبته.
– من جهة «بست»، يُعدّ فندق Brody House منزلاً ريفياً قديماً يتميّز بأناقة استثنائية وتفاصيل غريبة.

عناوين المطاعم والمقاهي
– مقهى Gerlóczy Café حيث يحلو الجلوس وتأمّل الناس وتذوّق قوالب الحلوى المحلّية.
– لاونج Manna على الهضاب بالقرب من القصر حيث تُقدّم المأكولات الهنغارية العصرية في محيط واسع ورائع.
– مقهى Gelato Rosa الذي يقدّم بوظة شهيّة على شكل أزهار.

للمزيد من المعلومات
يحتوي موقع السياحة الرسمي على الكثير من المعلومات المفيدة بدءاً من وسائل النقل وصولاً إلى السفارات.

المواضيع المذكورة

 
Top
هذا البريد الإلكتروني إلى صديق